تنتشر من حولنا العديد من الأجهزة والآلات دون أن نعرف ما هو تركيبها أو محتواها، ونتعامل معها وكأنّها شيء طبيعي غير مثير للاهتمام، وأحياناً نجهل حتى مبدأ عملها، ولكنّ هذا لا ينطبق على رواد مجال الهندسة العكسية، فهو مجال يتسع لكل المنتجات لمعرفة تركيبها ومحتواها، من خلال تحليل بنيتها ووظيفتها وطريقة عملها، ولا يقف مجال الهندسة العكسية على المنتجات المحسوسة، بل يتطرق إلى مجال البرمجيات، وأنظمة الحماية، فيتم تحليلها برمجياً لمعرفة بنيتها وطريقة عملها، وقد يتم التحليل بالتعامل مباشرة مع النظام أو عن طريق التجربة والخطأ حتى يتم الوصول إلى نتيجة، فهي إذاً ليست شيء محدد أو خطوات معينة يتم اتباعها, فالطريقة تختلف حسب التطبيق، ولكن كل الطرق تدور حول إرجاع الأشياء إلى بنيتها الأولية التي أنشئت منها، كما أنّ الأدوات المستخدمة تختلف أيضاً من تطبيق إلى آخر، فمثلاً قد تستخدم معامل كيميائية لتحليل المنتجات الغذائية، أو تستخدم ماسحات ضوئية ثلاثية الأبعاد لنقل تصميم منتج، أو برامج حاسوب لتحليل نظام معين، وهكذا.
وقد دعت الحاجة لاستخدام الهندسة العكسية في العديد من المجالات بدوافع شتى، فمثلاً تستخدمها الشركات لتحليل منتجات شركات أخرى منافسة بغرض تحسين منتجها وتفادي أخطاء المنتج المنافس بصنع آخر أفضل منه، أو للكشف عن انتهاك لبراءات اختراع ومن ثم رفع الدعاوى القانونية كما تستخدم أيضًا للفصل في مثل هذه القضايا، أو تستخدمها الجهات المختصة بحقوق المستهلك للكشف عن خطورة قد يتعرض لها المستهلك جراء استخدامه لمنتج ما، أو لغرض التجسس العسكري بين الدول لمعرفة مدى تقدم التقنية العسكرية، وهكذا تختلف الأغراض والدوافع من جهة لأخرى, وقد يكون أيضاً بدافع الفضول فقط. وسنستعرض بعضًا من تطبيقات الهندسة العكسية المنتشرة.
البرمجيات: انتشر تطبيق الهندسة العكسية في مجال البرمجيات أكثر من أي مجال آخر وذلك لأنّ أي شخص يمكنه تعلم ذلك فالأمر لا يتطلب سوى جهاز حاسوب وبعض البرمجيات والصبر على التعلم، وتستخدم هذه التقنية في صنع كراكات البرامج، التي باتت شيئًا رائجًا في الحرب الإلكترونية, فنجد مثلاً معظم البرامج الأمريكية الكبيرة يتوفر لها كراكات هي غالبًا ما تكون من إنتاج روسي أو صيني ويمكن ملاحظة ذلك من خلال واجهة الكراك أو اسمه.
وتستخدم في فك شفرات الأنظمة من خلال تحليل النظام ومعرفة طريقة الحماية التي يستخدمها، كما يتم استخدامها للتخلص من القيود التي يفرضها نظام معين على المستخدم مثل تحديد شبكة معينة لهاتف ما أو وضع قيود على استخدام البرامج كما هو الحال في نظام iOS، وقد تستخدمها شركات الحماية لاختبار مقدراتها أو لتحليل بنية الفيروسات لإيجاد طريقة ما لتعطليها، وقد يتم استخدامها في حالة ضياع الشفرة البرمجية لبرنامج ما لإعادة بنائه من جديد.
في الأغذية: تنتشر في العالم علامات تجارية ذات رواج واسع وشعبية كبيرة ، مثل علامة كنتاكي وكوكاكولا، ويعود تاريخ هذه الشركات لسنين عديدة إلا أنّها مازالت محافظة على سمعتها وطعمها المميز، وتحتفظ هذه الشركات بخلطاتها السرية وتركيبتها لغرض منع المنافسة التجارية، وفي المقابل تنشأ شركات أخرى تقوم بمحاولة إنتاج سلع مشابهة وذلك بمحاولة فهم تركيب هذه الخلطات لإعادة بنائها، فعلى سبيل المثال يوجد مشروب كولا باسم OpenCola وهو عبارة عن مشروب مفتوح المصدر يمكن لأي شخص تصنيعه وإنتاجه والإضافة عليه دون أية قيود.
السيارات: نجد أن هناك تنافس حاد في مجال السيارات، فقد ازدادت أعداد الشركات المصنعة، ويمتد التنافس من التصميم الخارجي وحتى التقنيات الداخلية المستخدمة وملحقاتها، وتظهر في السوق العالمي تصاميم متشابهة من شركات مختلفة، بالتأكيد ليس هذا توارد خواطر فالأمر لا يحتمل ذلك، ولكن الإقبال على تصميم معين من شركة ما يجعل الشركات الأخرى تقوم بإنتاج تصاميم مشابهة للمحافظة على عملائها حتى لو اضطرت لشراء سيارة من الشركة المنافسة
وتفكيكها لاتقديم تصميم جديد يكسبها ثقة عملائها ويبعدها عن الملاحقات القانونية من الشركة المنافسة.
أجهزة الهواتف: من منا لم يسمع بمقاضاة شركة أبل لسامسونج وكسبها لجولات عديدة ، وذلك بدعوى منها أنها تسرق براءات اختراعها، فقد طرحت شركة سامسونج أجهزة تشبه بدرجة كبيرة تلك الأجهزة التي كانت تستولى على سوق الهواتف ذات يوم.
الصناعات الصينية: لا يكاد يخلو بيت في العالم من المنتجات الصينية التي غزت العالم بانخفاض سعرها، فلم يترك الصينيون منتجًا لم يقلدوه، والسبب في انخفاض هذه التكلفة لا يرجع فقط إلى رخص العمالة والمواد الخام المستخدمة فحسب، فهناك سبب آخر هو توفير نفقات الأبحاث العلمية لتطوير المنتجات، فالشركات الصينية تعتمد على تحليل منتجات من شركات أخرى أنفقت الكثير من أجل تطويرها، وقد اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية الحكومة الصينية بسرقة براءات اختراعات لشركات أمريكية من خلال عمليات قرصنة وتقديم المعلومات لشركات صينية تقوم بالتصنيع، فالحرب باتت اقتصادية أكثر من كونها عسكرية.
No comments:
Post a Comment